سيد قطب

3523

في ظلال القرآن

أو تركه كذلك قائما ، وبيان حكم اللّه فيه . وقد دخل نفوس بعض المسلمين شيء من هذا : « ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ ، وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ » . . واللينة الجيدة من النخل ، أو نوع جيد منه معروف للعرب إذ ذاك . وقد قطع المسلمون بعض نخل اليهود ، وأبقوا بعضه . فتحرجت صدورهم من الفعل ومن الترك . وكانوا منهيين قبل هذا الحادث وبعده عن مثل هذا الاتجاه في التخريب والتحريق . فاحتاج هذا الاستثناء إلى بيان خاص ، يطمئن القلوب . فجاءهم هذا البيان يربط الفعل والترك بإذن اللّه . فهو الذي تولى بيده هذه الموقعة ؛ وأراد فيها ما أراد ، وأنفذ فيها ما قدره ، وكان كل ما وقع من هذا بإذنه . أراد به أن يخزي الفاسقين . وقطع النخيل يخزيهم بالحسرة على قطعة ؛ وتركه يخزيهم بالحسرة على فوته . وإرادة اللّه وراء هذا وذاك على السواء . بذلك تستقر قلوب المؤمنين المتحرجة ، وتشفى صدورهم مما حاك فيها ، وتطمئن إلى أن اللّه هو الذي أراد وهو الذي فعل . واللّه فعال لما يريد . وما كانوا هم إلا أداة لإنفاذ ما يريد . فأما المقطع الثاني في السورة فيقرر حكم الفيء الذي أفاءه اللّه على رسوله في هذه الوقعة وفيما يماثلها ، مما لم يتكلف فيه المسلمون غزوا ولا قتالا . . أي الوقائع التي تولتها يد اللّه جهرة ومباشرة وبدون ستار من الخلق كهذه الوقعة : « وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ . وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ . كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ . وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ . وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ ، إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ . لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ ، يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً ، وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ . وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ ، وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا ، وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ . وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ : رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ ، وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا . رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ » . . وهذه الآيات التي تبين حكم اللّه في هذا الفيء وأمثاله ، تحوي في الوقت ذاته وصفا لأحوال الجماعة المسلمة في حينها ؛ كما تقرر طبيعة الأمة المسلمة على توالي العصور ، وخصائصها المميزة التي تترابط بها وتتماسك على مدار الزمان ، لا ينفصل فيها جيل ، ولا قوم عن قوم ، ولا نفس عن نفس ، في الزمن المتطاول بين أجيالها المتعاقبة في جميع بقاع الأرض . وهي حقيقة ضخمة كبيرة ينبغي الوقوف أمامها طويلا في تدبر عميق . . « وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ ، وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » . والإيجاف : الركض والإسراع . والركاب : الجمال . والآية تذكر المسلمين أن هذا الفيء الذي خلفه وراءهم بنو النضير لم يركضوا هم عليه خيلا ، ولم يسرعوا إليه ركبا ، فحكمه ليس حكم الغنيمة التي أعطاهم اللّه أربعة أخماسها ، واستبقى خمسها فقط للّه والرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل . والرسول - صلى اللّه عليه وسلم - هو الذي يتصرف فيه كله في هذه الوجوه . وذو القربى المذكورون